المكان في العمران

للمكان أهمية في العمران ويعتبر أحد أهم المعايير التحليلية التي تقوم عليها الخطوات الأولى من المشاريع العمرانية وللمكان ثقافة لدى بعض المجتمعات فأصبحت جزء من التقاليد والعادات المجتمعية لأوقات وأزمان معينة وبعض المجتمعات اتجهت أن لبعض الأماكن قدسية معينة دون سلطان سوى الخرافات أحياناً وهذا اعتادت عليه البشرية ولا قلق منه بالنسبة لي على الأقل ولكن المثير مؤخراً والملاحظ عامة أن بعض من المتخصصين يلمح لأهمية الأماكن من خلال صورتها الطبيعية وعدم استثمارها بالشكل الصحيح بل أن عدداً من المشروعات كان القرار لإنشائها مبني على خصائص المكان والرغبة في استغلاله واستثماره  بناء على مشروعات أخرى مشابهه لذلك حول العالم، وهذا ما يدفعنا لضرورة التفكير في معيار الندرة للمكان على أن مهدد وليس فرصة.

تمتلك بعض الدول جغرافية ذات مدى واسع من الأماكن والتي يمكن أن توصف بالندرة لعدم تكرارها على مستوى العالم وتلك الأماكن النادرة قد بقيت عصوراً طويلة دون استغلال أو استثمار وذلك ليس فشلاً في إدراك أهميتها بل لقدرة عالية على المحافظة عليها ونقلها للأجيال القادمة ولكن هذا النهج من المحافظة أصبح مهدداً بأفكار متضادة معه نحو أهمية استثمار تلك الأماكن النادرة كأصول يمكن من خلالها رفع مستوى الاستثمارات والإيرادات ومعالجة قضايا اقتصادية بحتة على  حساب قضايا عمرانية وبشرية وتاريخية وحضارية والأسوأ من ذلك أن تلك الحلول مهما طال أمدها ستبقى لا تشكل في عمر بعض الأماكن إلا أقل من واحد في الألف  .

لنتذكر أن العمران هو المحرك الرئيسي لبناء الحضارات من خلال عدة أدوات وقد يكون أهمها هو المحافظة على الأماكن النادرة كموارد ثقافية لتعبر عن قدرة على فهم تلك الحضارات وماذا أنجزت وما المهددات المتوقعة وكيف يمكن تداركها؟.

في المحصلة النهائية دعونا لا ندع أفضل ما في المكان يحثنا على التفكير باستغلاله أو استثماره أي كانت الكلمة المناسبة لذلك ولكن لندع المكان وأفضل ما به يحثنا على المحافظة عليه ولا يمنع من الاستمتاع به دون الإضرار به لأن المنطق يقول أينما وجد البشر وجدت التنمية والتلوث بكافة أشكاله وأنواعه.

تذكرة مغادرة: يقول الروائي والرسام هنري ميلر “‏لم يبدُ الوضع الراهن لي من قبل شنيعاً أكثر مما هو عليه، هذا ليس أسوأ مكان، أعلم، لكنني موجود هنا وما أراه يوجعني”.

العلم والعمارة في تقنية البناء

التفكير في تصميم معماري يحقق المعادلة بين الوظيفة والجمال أمر ليس سهلاً فالعديد من التصاميم المعمارية يغلب عليها أما الجانب الوظيفي أو الجانب الجمالي وتوجه البعض من المعماريين لتفضيل جانب على آخر بشكل مستمر واليوم ومع توفر العديد من تقنيات البناء أصبح لزاماً الاعتناء بالجانب الجمالي بشكل أفضل مما كان عليه سابقاً ولكن هل هذا هو التحدي الوحيد في هذا الأمر؟ بالتأكيد ليس كذلك.

التفكير في تصميم معماري على سبيل المثال لوحدة سكنية جاهزة تكون مسبقة الصنع يرفع من مستوى التحدي على المعماري في أهمية توفير سبل مختلفة لتحقيق العنصر الجمالي خاصة وأن المتطلبات السكنية متعددة بحسب الحاجة وكذلك العديد من مواد البناء المستخدمة في هذه التقنيات تبدو جامدة للوهلة الأولى إلا من ذوي رؤية معمارية مميزة من الذين يملكون القدرة إلى تحويل كل جامد أمامهم إلى لوحة مليئة بالجمال والإحساس من خلال الاستفادة من العناصر المعمارية وقدرة على تطويع مواد البناء نحو تلبية حاجة المصمم.

لغة العمارة كانت وما زالت متجددة ولكنها فقدت بريقها في بناء المساكن في مرحلة ما، أما عند النظر من زاوية الوظيفة أو من زاوية أخرى مثل التكلفة، ويلزم للمعماري المميز التعمق أكثر نحو تحقيق أفق جديد في تعزيز المعرفة والابتكار في تحقيق عنصر الكفاءة التصميمية والجمع بين الوظيفة والجمال من خلال تصاميم أكثر قابلية لتكون مصنعة عبر خطوط أنتاج، وهذا يدعونا للتفكير جدياً في ان تتبنى كليات العمارة والهندسة المعمارية إنشاء وحدات ابتكارية موجهه نحو مواد البناء ومفهوم وآليات تصنيع البناء وأن توجه الجامعات مراكزها البحثية نحو استشراف مستقبل البناء لتسهم بدورها في تلبية الطلب المتزايد نحو المساكن مع إيجاد حوافز نحو تأسيس شركات ناشئة تعمل على تحويل أفكار طلبة كليات العمارة والهندسة المعمارية في هذا الجانب الى منتجات منافسة تحقق لها تقدماً وريادة عالمية وتحقق لمعماري المستقبل فرصة عمل ومشاركة وهم على مقاعد الدراسة ولكي توجههم نحو المستقبل وآفاقه .

تذكرة مغادرة: يقول الروائي الفرنسي إميل زولا “أنا أؤمن أنّ مستقبل الانسانيّة يكمن في تقدّم العقلانيّة عن طريق العلم”.

جوائز المدن ,, فرصة

تطالعنا الأخبار السعيدة دوما عن المدن بالمزيد من التقييمات والمعايير لأغراض متعددة فمرة لمستوى جودة الحياة وأخرى لأفضل المقاصد السياحية وثالثة للمدينة الأكثر سعادة وهكذا تستمر الأخبار عن المدن في وضعها ضمن معايير مختلفة ومتنوعة وإنتقائية أحيانا حتى تتغير ميزان مدينة على أخرى والحقيقة أن الفرصة الحقيقية للمدن لم تأتي بعد وهي فرص بالإمكان الإستفادة منها وتطويرها وهذه الفرصة تبقى لفترة مؤقتة فأما يستفاد منها أو تذهب أدراج الرياح.

أن حصول مدينة ما على جائزة عالمية أو محلية أو إنضمام مدينة لتكون ضمن التراث العالمي أو حصول مدينة ما لتكون مقصداً سياحيا أو تجارياً أو أقتصاديا هي فرصة سانحة لإعادة النهوض بالمدينة وتجديد دماءها ويتم ذلك بالإعتناء بالمدينة والذي يسبق كل شيء آخر فالعمل على تنميتها وتطويرها بالتأكيد سيجعلها تلفت الأنظار ويحقق غايات متعددة ضمن محور جودة الحياة في المدن وبطبيعة الحال ستكون المدينة حينها هدف لكل جائزة مخصصة للمدن بهدف المشاركة في النجاح المحقق على الواقع والكلمة السر في ذلك هي تعظيم المكاسب من تحقيق النجاح سواء كان جائزة أو أنضمام المدينة لتكون ضمن التراث العالمي فذلك هو أحد العناصر الجذب على مستوى عالمي ولتصبح المدينة جزء من منظومة الإستهداف الإيجابي لزيارات المدن والوجهات الناجحة وبذلك تتغير أرقام المدن إيجابياً.

في المملكة العربية السعودية حققت بعض المدن جوائز مميزة كان منها مدينة المدينة المنورة ومدينة الأحساء فقد حصلت المدينة المنورة على جائزتان عالميتان وتوجت بها هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة الأولى هي الجائزة الذهبية عن مشروع تطوير وتأهيل حي حمراء الأسد على الجائزة والجائزة الفضية عن مشروع تطوير وتأهيل جادة قباء وهذه الجائزة العالمية للمجتمعات الحيوية عن فئة المشاريع المتلزمة بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في إدارة البيئة المحلية والمجتمعات الحيوية في مجال الأنسنة المميز في هاتين
الجائزتين هو أن عدد المدن التي شاركت بالمسابقة تجاوز ثمانون مدينة من مختلف دول العالم, كما اختيرت الأحساء لتكون عاصمة للسياحة العربية للعام 2019 لتؤكد أحقيتها كمدينة تاريخية وثقافية وسياحية في نيل هذا النجاح وشاهداً على نجاحها السابق في تسجيل واحة الأحساء ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي بمنظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) خلال العام الماضي والعمل الكثير ينتظر بقية المدن لتقدم ما لديها عالمياً وإقليميا ومحلياً أما العمل الأكثر جهداً وتميزاً هو ما ينتظر مسئولي مدينتي المدينة المنورة والأحساء من أجل المحافظة على المكتسبات المتحققة وتحقيق نجاحات أخرى في مجالات مختلفة وعلى مستويات عالمية وأقليمية.

تذكرة مغادرة : يقول الأديب الياباني ماتسوو باشو “لا تبحث عن خطى الحكماء بل ابحث عن أعمالهم وثمرة قطافهم”.

تجربة المدينة المختلفة

جميع الأفكار الناتجة عن سكان وزوار المدن مبنية من وجهة نظرهم على وجود حاجة أو فرصة وبإعتبار أن جميع المدن لديها مقومات متعددة فهل من الصحيح استغلال كل تلك المقومات في آن معا ؟ وهل تستخدم المدن كل ما تملكه في مدى زمني واحد؟ في الحقيقة أن ذلك قد يكون أسوأ إختيار على المدينة والسبب في ذلك أن الأفكار والتقنيات تتغير وتتطور وما لا يمكن اليوم تحقيقه لأحد المواقع قد يكون تحقيقه مستقبلاً أمراً في غاية السهولة واليسر, ولنعد الآن في الذاكرة إلى بعض المدن الساحلية الموجودة لدينا ولنضع الأفكار المنفذة فيها في قائمتي المتشابه والمختلف ولنرى ماذا اختلف؟ قد ننتهي بقائمة صغيرة جداً للمختلف بينها لا تشتمل سوى أسم الموقع ومساحته !!

أن من السهولة بمكان إيجاد عدة أفكار وتطبيقها مباشرة كنوع من التغيير وستكون في المرحلة الاولى ذات قبول عام ومقنعة على حد سواء ولكن هذا ليس تحدي الحقيقي !.
فيما لو جمعنا كل ما لدى المدن السعودية الساحلية القائمة من أمور متشابهه لوجدنا الكثير وهذا في تقديري الشخصي أمر غير صحيح فالأمر ليس تقليد بل تنمية مكانية ولهذا السبب غابت عن المدن السعودية تجربة المدينة المختلفة في الحياة والمعيشة والترفيه والعمل .

ما الذي يجب عمله ؟ لنضع هدفاً بسيطاً أننا نود من كل مدينة من المدن السعودية الساحلية تجربة مختلفة في كافة عناصرها ولنستفد من عناصر جذب كل مدينة كما يجب ولنحافظ على رصيد كل مدينة من المواقع المميزة وحتى يأتي الوقت المستقبلي الذي تتضح مع الخطة الكاملة لكافة المواقع داخل المدن وتعمل هذه الخطة على استغلال مقومات كل مكان بصيغة مختلفة ومن أجل أن لا يصبح بالإمكان أن تتآكل المدن سويا في عناصرها وخدماتها.

تذكرة مغادرة : تقول المؤلفة شاكتي غاوين “ما يحتاج أغلب الناس الى تعلمه هو كيفية حب البشر واستغلال الأشياء بدلاً من استغلال البشر وحب الأشياء”.