العلم والعمارة في تقنية البناء

التفكير في تصميم معماري يحقق المعادلة بين الوظيفة والجمال أمر ليس سهلاً فالعديد من التصاميم المعمارية يغلب عليها أما الجانب الوظيفي أو الجانب الجمالي وتوجه البعض من المعماريين لتفضيل جانب على آخر بشكل مستمر واليوم ومع توفر العديد من تقنيات البناء أصبح لزاماً الاعتناء بالجانب الجمالي بشكل أفضل مما كان عليه سابقاً ولكن هل هذا هو التحدي الوحيد في هذا الأمر؟ بالتأكيد ليس كذلك.

التفكير في تصميم معماري على سبيل المثال لوحدة سكنية جاهزة تكون مسبقة الصنع يرفع من مستوى التحدي على المعماري في أهمية توفير سبل مختلفة لتحقيق العنصر الجمالي خاصة وأن المتطلبات السكنية متعددة بحسب الحاجة وكذلك العديد من مواد البناء المستخدمة في هذه التقنيات تبدو جامدة للوهلة الأولى إلا من ذوي رؤية معمارية مميزة من الذين يملكون القدرة إلى تحويل كل جامد أمامهم إلى لوحة مليئة بالجمال والإحساس من خلال الاستفادة من العناصر المعمارية وقدرة على تطويع مواد البناء نحو تلبية حاجة المصمم.

لغة العمارة كانت وما زالت متجددة ولكنها فقدت بريقها في بناء المساكن في مرحلة ما، أما عند النظر من زاوية الوظيفة أو من زاوية أخرى مثل التكلفة، ويلزم للمعماري المميز التعمق أكثر نحو تحقيق أفق جديد في تعزيز المعرفة والابتكار في تحقيق عنصر الكفاءة التصميمية والجمع بين الوظيفة والجمال من خلال تصاميم أكثر قابلية لتكون مصنعة عبر خطوط أنتاج، وهذا يدعونا للتفكير جدياً في ان تتبنى كليات العمارة والهندسة المعمارية إنشاء وحدات ابتكارية موجهه نحو مواد البناء ومفهوم وآليات تصنيع البناء وأن توجه الجامعات مراكزها البحثية نحو استشراف مستقبل البناء لتسهم بدورها في تلبية الطلب المتزايد نحو المساكن مع إيجاد حوافز نحو تأسيس شركات ناشئة تعمل على تحويل أفكار طلبة كليات العمارة والهندسة المعمارية في هذا الجانب الى منتجات منافسة تحقق لها تقدماً وريادة عالمية وتحقق لمعماري المستقبل فرصة عمل ومشاركة وهم على مقاعد الدراسة ولكي توجههم نحو المستقبل وآفاقه .

تذكرة مغادرة: يقول الروائي الفرنسي إميل زولا “أنا أؤمن أنّ مستقبل الانسانيّة يكمن في تقدّم العقلانيّة عن طريق العلم”.

آفاق معمارية غائبة في مجال التشييد والبناء

من المتفق عليه أن تقنيات البناء الحديثة تسهم في رفع مستوى الجودة وتقليص التكاليف وسرعة الإنجاز مع أقل نسبة من الأخطاء البشرية. ولكن الهاجس الذي يصاحب مالكي المساكن المنشأة بطريقة مختلفة عمَّا اعتادوه، هو التجربة الحديثة لهم، ومدى ارتياحهم مع هذه التقنيات، وما الصعوبات التي من الممكن أن تواجههم، ومدى تحقق الجمالية والوظيفية للمباني على حد سواء، خاصة إذا ما علمنا أن التجارب الأولى للمباني التي تستخدم تقنيات البناء، كانت تتعامل مع العنصر الجمالي في تصاميم المساكن بطريقة هامشية على نحو غريب،

وأيضًا اتسمت المباني الأولية لتقنيات البناء بضعف المرونة نحو قابلية التحسين والتطوير والتوسعات المستقبلية. ولكن اليوم، ومع تطور تقنيات البناء، وتعدد أنواعها واستخدام أكثر من تقنية إنشائية في آنٍ معًا، ولتحسين الانطباع العام عن تقنيات البناء لدى العامة؛ أصبح لزامًا أن يتدخل المعماري والمصمم لرفع مستوى التصميم للوحدات البنائية، ويسهم في معالجة الأخطاء السابقة التي دفعت لعدم الاستفادة من تقنيات البناء خلال كل تلك السنوات.
يعتبر المعماري الغائب الأكثر حاجة في مجال تقنيات البناء،

وهو الذي لو تعرَّف عن قرب على تقنيات البناء وأنواعها وأبرز تحدياتها المعمارية، مع الخلفية المهنية الكافية والإبداع المعماري اللازم؛ لأصبح قادرًا على تشكيل الحلول المعمارية وإيجادها لتلبية متطلبات العصر من سرعة البناء مع المحافظة على عنصري الجمال والوظيفة. وليس هذا الدور كبيرًا على المعماري، فهذه القدرات تكمن في التحدي الدائم الذي يواجه المعماري، وهو التعامل مع المواد والفراغ كما يجب.

عند مراجعة ما أنجز من خلال تقنيات البناء محليًّا، أجد أن المعماري السعودي ما زال بعيدًا عن الاهتمام بهذه التقنيات وما تحقق فيها من تطور في مجال التشييد والبناء وعلى نحو مثير للغرابة، خاصة أن هذا الدور لا يتطلب الكثير منه سوى المزيد من التعمق والقراءة والمعرفة في مجال تقنيات البناء،

وبالوقوف فعليًّا على قدرات هذه التقنيات وإمكانياتها والمعدات والأجهزة المستخدمة فيها من خلال النظر بعين المتخصص إلى كيفية تحسينها من زاوية معمارية. هذه الزاوية والاهتمام لا تتطلب جهدًا خارقًا، خاصة إذا ما علمنا بأن إحدى مبادرات برامج «رؤية المملكة 2030» تُعنى بتفعيل استخدام تقنيات البناء في مجال التشييد والبناء، وهي «مبادرة تحفيز تقنية البناء»، والأولى بالمعماري السعي نحو الاستفادة من الفرص المتاحة وفتح آفاق رحبة له لتلبية الحاجة الماسة نحو عنصري الجمالية والوظيفية في المباني التي تستخدم تقنيات البناء.

تذكرة مغادرة: المشكلة ما هي إلا فرصة سانحة لك لتبذل قصارى جهدك.

تساؤل بين تقنيات البناء والمهندس السعودي!

كيف يساهم المهندس السعودي في ‏تحفيز استخدام ‎تقنيات البناء في قطاع البناء والتشييد وتوطين صناعتها؟
للإجابة عن هذا السؤال العريض يجب معرفة ما هي مصادر المعرفة التي يمتلكها المهندس السعودي فعليًا، والتي بناء عليها يُحدد أإذا كانت مساهمة المهندس فاعلة أو هامشية؟ ولتحديد ذلك يجب أن نبدأ من المرحلة الدراسية الجامعية، ومعرفة ما هي التحديثات التي جرت على المواد الدراسية خلال السنوات الأخيرة، وما هي قدرات هيئة التدريس بالجامعات في هذا المجال المتجدد؛ لأن الجامعات سواء المحلية أو الخارجية مختلفة، فهذه نقطة إيجابية في أن مستويات المعرفة ونوعها مختلفة وليست ضمن مستوى معرفي واحد ينقلنا بالضرورة للمرحلة الثانية، وهي سوق العمل التي تجتمع فيه المتخصص وغير المتخصص وصاحب العلم مع صاحب التجربة لتشكل سوقًا غالبًا تبدو طاردة لذوي الأفكار بسبب ضعف البنية الأساسية لقطاع البناء التي منها، على سبيل المثال: العمالة والمعدات التي يتحكم فيهما غالبًا عنصر التكلفة لا الجودة والاستدامة. ولهذا كان على أصحاب العلم التحرك بخطواتهم أسرع نحو سد الفجوة التي تؤرقهم وجعل عنصر التكلفة هامشيًا وتنافسيًا، وهذا الذي حدث في عدد من تقنيات البناء التي تقلصت أعداد العمالة غير المتخصصة والكبيرة إلى توفير فرق فنية متخصصة وذات مهارة مع تقديمهم لمنتجات نهائية ذات جودة أفضل. وكذلك أسهم أصحاب العلم مرة أخرى في تحسين المعدات المستخدمة لتشكل، أخيرًا، جيلاً من التقنيات المستخدمة والروبوتات التي لا تتطلب تدخلًا بشريًا عاليًا .

في الحقيقة العلم نجح في تحقيق الكثير للبشرية، وسينجح أصحاب العلم مرة أخرى في وضع قطاع البناء والتشييد في مكانه الصحيح، وستندثر طرق البناء التقليدية عندما ينهض المهندس السعودي حاملاً شعاع نور العلم والابتكار، متزودًا بالمعرفة التي يمتلكها، ومستفيدًا من الفرص التحفيزية التي تقودها “رؤية المملكة 2030” من خلال “مبادرة تحفيز تقنية البناء” التي توجد الحافز الاستثماري في مجالات التقنيات المتطورة للبناء وتسهم بمواكبة التطور الصناعي مما يحقق ريادة المملكة العربية السعودية في هذا المجال الحيوي الغني بالفرص الوفيرة.

مرة أخرى يجب أن نعلم أن التركيبة الحيوية لتنمية أي مجال، هي توافر المبدعين وتأسيس المراكز البحثية والابتكارية، وبالتأكيد يقف أولاً الرغبة الأكيدة لتحقيق إنجاز جديد.

تذكرة مغادرة: الحي يحييك والميت يزيدك غبن.

الحقيقة بين المعرفة والجهل

المعرفة ليست حقيقة، الجهل هو الحقيقة، تستطيع تحديد ما هو الجهل ولكن لن تستطيع تحديد ما هي المعرفة، البشر جميعهم حينما يلجأؤن الى التعليم فهم في الحقيقة يهربون من شبح الجهل إلى بحر المعرفة.

السؤال الدائم هل هنالك حدود للمعرفة، والإجابة هي أن حدود المعرفة ليست سوى إطار وهمي وحدود وضعها البشر لرغبتهم التوقف عند مرحلة معينة من المعرفة فتجاوزا ذلك حينما تمت تسمية المستويات الأكاديمية فأصبحت هي معيار وحيدا للمعرفة والواقع يقول أنها ليست كذلك.

دوما ما كان الابتكار هو إطار المعرفة الفعلي ولكنه خفي بسبب ما يملكه الابتكار من تجدد دائم يبقى لزاما علينا أن نجعل منه هدفا لأي من أفكارنا وأنشطتنا ونتيجة حتمية لكل المعلومات والبيانات التي نمتلكها ونستخدمها في تنفيذ اهداف فعالياتنا وبرامجنا.