مسئوليات المدن

تبقى هذه المسئوليات غير واضحة المعالم حتى الآن وستتطلب من إدارات المدن مراجعتها خلال السنوات القليلة القادمة، وحتى نتعرف على هذه المسئوليات يجب أن ندرك أن المدن تتعامل مع متغيرات دائمة ومستمرة ولهذا يجب على إدارتها فهم المدينة ومكوناتها وعناصرها الأساسية ومواردها كذلك وذلك من أجل تحمل مسئوليتها أمام ملفات هامة مثل المشاركة المجتمعية، البطالة، المحتوى المحلي، النقل، الخدمات، المرافق، البنية التحتية وغيرها مع قراءة مدى قدرة المدن على تحقيق نجاحات فعلية في هذه الملفات.

أن استمرار إدارات المدن في الغياب عن فهم هذا الواقع سيجعلها تواجه التحديات المستقبلية مرغمة على حلول ليست هي الأفضل بالتأكيد ولكنها ستكون حلولاً عاجلة وقاسية أحياناً، أما إذا ما بدأت المدن في إدراك واقعها الفعلي بعيداً عن تكرار رسم الصورة الوردية للمستقبل فأنها ستحقق ما سيجعل هذه المدن أمام رؤية مستقبلية تستطيع فيها إدارات المدن تغيير معادلات التنمية وتدفعها نحو قراءة إمكانياتها المختلفة والحث على الاستفادة منها واستثمارها بالشكل الأمثل.

تذكرة مغادرة : يقول الأديب يوسف السباعي (حمداً لله علـى أوهامنا، إنّها تمنحنا بقية أمل، وبقية عزاء).

مشاريع منجزة ولكن فشلت!

عدد لا بأس به من المشاريع العمرانية حول العالم أنجزت بكامل مراحلها على أرض الواقع ولكنها واجهت مشاكل جمة أثناء التشغيل وكل إدارة مشروع منها تحاول قدر الإمكان تدارك ما يمكن تداركه مع عدم الاقتناع بالأمر الواقع !! لأنه بات أمراً محرجاً بالتأكيد.

تنشئ المشاريع العمرانية لاستخدامات معينة وأهداف محددة وبحسب دراسات عمرانية وهذا الواقع لن يتغير أثناء فترة تنفيذ المشروع ولكن مع إنتهاء آخر مرحلة من مراحل البناء والتشييد تتفأجئ إدارات تلك المشاريع بأنه عملية التشغيل تكاد تكون مستحيلة بحسب واقع المشروع في تلك اللحظة مما يعني مزيداً من التحسين والتطوير الذي يلطف الواقع ولن يغير فيه الكثير.

هذا الواقع الذي يحدث للعديد من المشروعات العمرانية لم يبدأ فعلياً مع إنتهاء المشروع بل بدأ عند أول خطوة في التفكير بالمشروع وأهدافه فالعديد من المشاريع تفشل لأن أهدافها غير واقعية أو تقليد لفكرة من هنا أو هناك ولكنه الأصرار على تخيل مستقبل غير صحيح للمشروع مع تجاهل الآراء والعديد من العوائق وتأجيل التفكير في كل ملاحظة حتى مرحلة الدراسات الفعلية والذي يحدث في هذه المرحلة هو عنصر مؤثر في واقع فشل المشاريع العمرانية المنجزة عندما تحاول الجهات المسئولة عن الدراسات قراءة الرغبات لدى فريق الإدارة لا قراءة الواقع والاحتياج وبعدها يصبح الأمر أن فريق الدراسة يعيد إقناع أصحاب القرار بما هم مقتنعون به من خلال نماذج وأرقام وألوان ومجسمات دون العمل على دراسات فعلية من أرض الواقع أو العمل على توثيق المعلومات المعتمد عليها والتي تتم بشكل لا ينم عن احترافية والسبب الأضافي الذي أجده مؤثراً في فشل المشاريع العمرانية المنجزة هو أن عملية إنجاز تشييد وبناء المشروع العمراني بحد ذاتها هي المعتبرة بالإنجاز أما مرحلة التشغيل التالية لم تكن جزء من النجاح.

تذكرة مغادرة : يقول ويليام كليفورد “لو تجاهل الإنسان كل سؤال يُخالف اعتقاده، وامتنع عن قراءة الكُتب التي تُخالف أفكاره وما يؤمن به ، فإن حياته ستكون خطيئة ضد البشرية”.

حوكمة المدن

يصل النقاش دائماً مع متخصصي تخطيط وإدارة المدن إلى نتيجة أن هنالك خلل ما في طريقة إدارة المدن وغالباً ما تكون الأمثلة الناجحة هي مدن حديثة نسبياً أسست بأنظمة واضحة وتحت منظومة إدارية واحدة، ولكن السؤال المفاجئ للأصدقاء هل المدن الحديثة نسبياً والتي تحصد الإشادة باستمرار!! هي ناجحة بالنسبة للمدن المحلية الأخرى أم ناجحة بالنسبة للمدن العالمية أم لأنها التجربة المحلية التي يعتقد بنجاحها بشكل مطلق!، أم لأنها لم تتعامل مطلقاً مع نطاق واسع من القضايا الحضرية أصبحت مثال ناجح للمدن، إذا ما افترضنا أننا أمام تحدي اقتراح معيار يتم القياس عليه لهذا النجاح فهل المنظومة الإدارية كافية لتأكيد النجاح أو الفشل أم أن المعيار هي المشاريع الكبرى التي تمت، أم أنها الموارد المالية التي توفرت لها ولم تتوفر لغيرها بنفس المعدل، أو أن المعيار الأهم هو ما القضايا الحضرية التي تتعامل معها ونجحت في معالجتها، وإذا سلمنا بالنجاح فعلياً لما كان من الصعب نقل التجربة الناجحة إذا ما كانت ناجحة فعلياً!

ما تحتاجه المدن ليس إدارة موحدة لعملياتها بل الحاجة الأهم هي ضمانة عدم التداخل بين اختصاصات ومسئوليات الجهات والمنظمات والذي تحدث غالباً بسبب غياب “حوكمة المدن” أو ضبابية الجهات تجاه مسئولياتها وواجباتها وفقدان بوصلة أولوياتها أو أنها قد تكون مسئوليات كانت مسندة لجهات وانتقلت مسئولياتها وأسندت لجهات أخرى أو بسبب عدم الرغبة في وجود حوكمة من الأساس، ولكن قبل أن أذهب بعيداً في تأكيد أهمية حوكمة المدن، لنضع تساؤلا مشروعاً لما لا يكون الوضع الحالي هو الأفضل للمدن فعلياً ولا نحتاج للمزيد من التفكير في هذا الجانب؟ فالاندفاع نحو تطبيق مفهوم حوكمة المدن قد لا يتسم بالنجاح ولا يكفي أننا معجبون بالتطبيق أو بنتائجه في مدن أخرى حول العالم فالتحديات دوماً مختلفة ويحددها معايير يقع جزء منها في خارج دائرة إدارة المدن من الأساس، والسبيل الصحيح في كل ذلك هو التروي في عملية تطبيق حوكمة المدن وتحديد إلى أي مستوى من التطبيق يتم وخلال مدة زمنية واضحة والحاجة لذلك أن تطبيق الحوكمة دفعة واحدة يتطلب وجود تشريعات وتنظيمات داعمة وهي ليست موجودة من الأساس وهذه التشريعات لابد لها من العبور ضمن سلسلة من الإجراءات الطويلة اللازمة لتكون عملية تطبيق حوكمة المدن إيجابية قدر الإمكان، السؤال الهام هل لدينا تجربة ناجحة لحوكمة المدن نستطيع الاسترشاد فيها للتطبيق والتطوير ولعلنا نستبعد المدن التي أنشئت لأغراض محددة سواء اقتصادية أو استثمارية ولنتجه نحو المدن الحقيقية التي تجد فيها كافة القضايا الحضرية من مواقع لمباني ومناطق تاريخية يرجى المحافظة عليها واستثمارها ومواقع ذات تنمية خاصة لأهداف اقتصادية أو صناعية وأخرى ذات قضايا اجتماعية وإنسانية بحتة وكيفية بناء نموذج لحوكمة أعمالها وأنشطتها وأهدافها لإدارة تحدياتها على كافة الأصعدة ويكون خاصاً بها.

تذكرة مغادرة: يقول الكاتب الياباني هاروكي موراكامي “بعيداً عن جميع التفاصيل الواقعية، هناك الأحلام، والكل يعيش فيها”.

أنشطة المدن

تتميز المدن عن بعضها البعض بتعدد الأنشطة ضمنها ومدى تنوعها ولذا فأن المجتمعات البشرية ومنذ العصور الأولى يعمدون إلى تجميع النشاطات المتشابهة أو المرتبطة ببعضها في مسارات محددة تسمى لاحقاً بطبيعة النشاط كما هو معروف في المدن القديمة، ومن الضرورة اليوم وفي العصر الحالي ومع ظهور العديد من التقنيات والأفكار لمعالجة مشاكل النقل أو التنقل في المدن وفي ظل توسع المدن وزيادة عدد سكانها كان التوجه إلى زيادة المواقع المخصصة للأنشطة مما أدى إلى ظهور مشكلة استخدام الطرق وعرض الأنشطة التجارية بشكل مباشر عليها واختراع ما أتفق على تسميته “شارع تجاري” ومحاولة لتأطير ذلك وفهم النشاطات في المدن من ناحيتي التأثير والمجهود والتي تعني مدى تأثيرها الإيجابي على المستخدمين والمجهود الذي يقابله الاهتمام بها وتوفيرها كحد أدنى من الخدمة وقد تكون النشاطات في المدن على مستويات الأنشطة اليومية وهي التي تحقق الحد الأدنى من المتطلبات اليومية لأي مستخدم وفي أي مكان في المدينة كالمسجد والمدرسة والبقالة وحديقة الحي ونادي الحي والقرطاسية والتي من المفترض أن لا تتطلب مستوى تنقل عالي بينها وبين مساكن المستخدمين ويأتي المستوى التالي من الأنشطة وهي أنشطة الخدمات مثل مراكز الصيانة في مختلف المجالات والتي يحتاج لها المستفيد ولكن ليس بشكل يومي أو أسبوعي على الأقل.

والمستوى الأعلى من ذلك وهو في الغالب يشمل كافة الانشطة التجارية الأخرى ويتميز هذا المستوى بإتساع الأنشطة التجارية والخدمية فيه مع ضعف عام لمعدلات تكرار الاستفادة منه ثم يلي ذلك الأنشطة الأقل تفاعلاً ولكنها مهمة للغاية والتي يغلب عليها أنشطة الحد من الكوارث أو أنشطة الطوارئ مثل المستشفيات ومراكز الدفاع المدني وما في حكمها كما يلي ذلك مستوى أنشطة حققته بعض المدن ونجحت فيه ويقع ضمن الساحات العامة أو المواقع السياحية والتي قد يكون تكرارها أشبه ما يكون موسمياً كالمتاحف والمواقع السياحية ومراكز الفنون وما في حكمها من استخدامات.

أن قراءة أي مدينة ومحاولة تحليل مواقع الأنشطة والخدمات بها على ضوء التأثير والمجهود المقابل لها فسنجد أن أكثر مستويات الأنشطة من ناحية التأثير والمجهود هي ما هو جزء من المتطلبات اليومية للمستخدمين والتي تعطي عائد عالي على الفرد بمجهودات عالية أيضاً والتي يجب أن يتركز عليها الاهتمام وإعطاءها الأولوية لمعالجة أوضاعها وهكذا تتم قراءة كافة أنشطة المدينة من ناحيتي التأثير والمجهود الملازم لتحقيق الخدمة، أن أنشطة التقدم الصعب والتي تحقق تأثيراً منخفضاً ومجهوداً عالياً والتي هي برأي الشخصي أصبح بعضها فجأة ضمن نطاق مبادرات المكاسب السريعة والتي بالتأكيد قد قرأت بشكل خاطئ، بينما في الحقيقة قد تكون قد أضرت تلك المكاسب السريعة بالمدن وبالمستخدمين كثيراً ويجب فيها التنبه إلى أي حد يمكننا اعتبار الأنشطة المستحدثة ذات تأثير إيجابي أو سلبي على المدن وإلى أي مدى.

تذكرة مغادرة: يقول سلفادور دالي “الفرق بين الذكريات الحقيقية والذكريات الوهمية هو كالفرق بين المجوهرات، فالمزيف منها غالباً ما يبدو أكثر حقيقية وأكثر إقناعاً”.