المشاكسين

ضمن أي تجمع بشري على سطح الكرة الأرضية يجتمع خليط من أنواع البشر ودوما ما يميز هذه التجمعات هو حجم الاختلافات التي بها والنجاحات التي حققتها المجتمعات بشكل متوازي وأحد الأمور الأكثر أهمية بهذه التجمعات هو وجود أفراد مشاكسين لا يظهرون بوضوح دوما ولكن مع اعتيادك على المجتمع تستطيع معرفتهم من خلال سلوكياتهم فيكثر بينهم الغاضبون والمنتحبون والنمامون والطغاة المستبدين والجبناء وعديمي الكفاءة والمتهربين من التزاماتهم والاستغلاليين والأقوياء إمام الضعفاء فقط “المتنمرين”  والكاذبون والمتسلقين على أكتاف الآخرين وهؤلاء موجودين بشتى التجمعات البشرية .

ولذا أصبح المشاكسين يشكلون عبئا كبيرا على الكثير من المجتمعات ويتسببون بالألم للجميع وتتطور أساليبهم المشاكسة لتصبح أفعالا عنيفة وتصرفات أكثر إزعاجا لتكون أكثر من أن تعتبر مشاكسة لتكون جرما بحق الآخرين ومع ذلك كله لا تستغرب أن لم تجد أي فرد من هذا المجتمع يعترف بأنه مشاكس أو به بعض من صفاتهم لأننا كبشر وبحكم طبيعتنا البشرية نستطيع التأقلم مع أساليبنا والتبرير لأنفسنا بكل تصرفاتنا وأننا نحسن الظن بأنفسنا كثيرا .

لنتوقف , ونتذكر الأشخاص الذين انزعجوا منا يوما ما الذي أزعجهم حقا منا ؟ ونتذكر الأشخاص الذين انزعجنا منهم يوما ولنفكر ما الذي أزعجنا منهم ؟

وبمعرفتنا لكل تواصلاتنا مع من حولنا نستطيع أن نعرف بأي درجة نحن مشاكسون ولنبدأ نتعلم ونمارس مهارات الاتصال البشري لكي نكون مجتمعا بلا مشاكسين يتعايش بسلام وهدوء .

التوصيف الوظيفي مطلب إداري

تختلف هرمية المؤسسات الحكومية أو الخاصة بكافة أنحاء العالم ولكنها تتشابه في إن لكل وظيفة مسمى وتوصيف وظيفي يعبر عنه عقد العمل الذي يوقع من الجهة ومن الموظف الراغب بالعمل والذي يحمل كافة المسئوليات والواجبات اللازمة للموظف تجاه وظيفته ويتسع التوصيف الوظيفي ليشمل حالات الطوارئ والأزمات على اختلافها خصوصا من الذين يظهر لديهم حس للمسئولية والقيادة وتبقى كل تلك الإجراءات موضحة إما بالعقد الموقع بين الطرفين كتفاصيل أو مشار إليها بالعقد لتصبح العلاقة بين الطرفين واضحة لا تحتاج إلى اجتهادات شخصية .

مثل هذا الوضوح في التعاقدات هو ما تفتقده الجهات الحكومية والخاصة لدينا فتمسي على نظام وتصبح على نظام آخر لا يرتبط كثيرا بالأفضلية ولكنه يعتمد وبشكل كامل على “المزاجية” للإدارة العليا وعلى حالة التطبيق كذلك , فتزرع في شخصيات الإدارة الوسطى بهذه الجهات نزعة القرارات المتسرعة وتعزز موقف الرأي الأوحد وحتى إن وصل احدهم إلى اتخاذ قرار كان القرار مبهما ولا يغطي كافة الحالات .

ولذا تكثر الاستفسارات وتزيد الاجتهادات بمثل هذه الأنظمة مما ينمي ثقافة المدير العام لدى جميع الموظفين ليصبح التعامل دوما مع الأسماء لا الأنظمة وتجد انك بنفس الجهة قد تجد اختلافا كبيرا في الإجابات التي قد تتلقاها حين تتوجه بسؤال لأي موظف ضمن هذه الجهة فمنهم من يرى أهمية لتوفير أكثر كمية من الوثائق ومنهم من يرى إن توفير الوثائق الأساسية كافي وكذلك تجد اختلافا في طبيعة الإجراءات من مدينة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى وكأنك تنتقل بين عدة دول وهكذا تكون في دوامة الطلبات التي تؤرقك وتفتح مجالات واسعة للاجتهاد بأحسن الأحوال وللفساد والرشوة واستغلال النفوذ كأسوأ ما يمكن أن يكون وكأن المطلوب إن تفكر مليا قبل الإقدام على طلب إحدى الخدمات من هذه الجهات .

إن توفير أنظمة حديثة ومرنة تغطي كافة الجوانب الرئيسية سيسمح للجهة مع تغيير الإدارة العليا إن تستمر على نفس النهج وبنفس الخطى بثبات ويحقق نجاحا مذهلا على مستويات التخطيط والتنفيذ للخطط الإستراتيجية ويمكن الجهة من الاستفادة أكثر من خبرات موظفيها لا إن يتم محاربتهم ظنا فيهم إنهم من عسكر القائد السابق .

التراث العمراني

قبل عدة سنوات وفي أحدى ورش العمل التي تعنى بالتراث العمراني والمحافظة على الآثار الخاصة بالمملكة العربية السعودية عامة وبالساحل الغربي بشكل خاص شدني كثيرا الطرق المستخدمة للمحافظة على المباني الأثرية والتراثية في الدول الغربية وما عرضه استشاري المشروع وقتها من مواقع أثرية لمئات السنين .

وأبرز ما جاء ذكره كما أتذكره هو أهمية الالتزام الكامل بعدم التغيير أو إدخال مواد حديثة إلا للضرورة القصوى وبطريقة تتناسب كليا مع الجزء المراد المحافظة عليه واستخدام المواد الأولية الطبيعية للصيانة والترميم وكذلك تطوير اليد الماهرة لها مع تنظيم ملكية هذه الآثار وجعلها قابلة لكي تكون مقاصد سياحية .

إلا انه وبعد مرور سنوات من ورشة العمل تلك.. لم يتغير شيء ولم يحدث اختلاف وكأنما كان الحديث لأجل الحديث ,, لا علم لدي ما الذي أوقف المشروع ؟ ,, حتى لا ينفذ ولكن حسب معلوماتي لم يحدث شيء على أرض الواقع ولكنني لم أكن متفاجئا جدا من هذه النتيجة منذ تلك السنين لأن البعض للأسف ليس مقتنعا بأهمية المحافظة على التراث العمراني  وهذا ما كانت دلائله واضحة بعدم القناعة بالإجابة البسيطة عن سؤال هام جدا مثل “لماذا نحافظ على التراث العمراني ؟”.

التراث العمراني ليس طاقة متجددة حتى نتقبل خسارة جزء منها بسهولة .

المدينة التي لا تنام

جملة امتدحت بها وسائل الاعلام بعض مدننا وبعض المدن الاخرى العالمية والتي تعني بوضوح انها مدينة تعمل طوال اليوم والليلة كالأسواق والمتنزهات والمطاعم وكل نواحي الحياة ولكن كل ذلك لا يضير ولكن هل تعتبر المدينة التي لا تنام مدينة صحية للمجتمع الذي يسكنها .

لقد قال الله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (11) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) سورة النبأ .

ولست بمتحدث عن معنى الآية او تفسيرها بل للاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن الليل ستر وسكنا والنهار معاشا للعمل والتكسب والمعيشة .

ان إجبار مدننا على العمل ليلا ونهارا وبشكل مستمر سيفقد مدننا التوازن المعيشي وسيكسب المجتمع الساكن بالمدينة الكسل والتراخي وضعف الصحة العامة للمدينة عدا عن الاثار المترتبة عن الاستخدام المستمر للخدمات وبشكل متتالي مما يقلل من العمر الافتراضي لهذه الخدمات ويصعب من عملية الصيانة ويزيد من تكلفتها المادية .

ان اولى خطوات تهيئة المجتمع ليكون مجتمعا فاعلا ونشطا منتجا هو بضبط نواحي الحياة المختلفة له حتى يسمح له بالعطاء والتقدم مع التنبه الى ان استمرار الليل كالنهار واتباع ذلك بالمدن الكبيرة والصغيرة لن ينتج عنه سوى مجتمعات مدنية كسولة مستهلكة وغير منتجة .

 ان تركنا للأعلام ان يقنعنا بأن الواقع السيء الذي تعيشه مدننا هو تطور فتلك مشكلتنا لا مشكلة الاعلام .