التراث العمراني

قبل عدة سنوات وفي أحدى ورش العمل التي تعنى بالتراث العمراني والمحافظة على الآثار الخاصة بالمملكة العربية السعودية عامة وبالساحل الغربي بشكل خاص شدني كثيرا الطرق المستخدمة للمحافظة على المباني الأثرية والتراثية في الدول الغربية وما عرضه استشاري المشروع وقتها من مواقع أثرية لمئات السنين .

وأبرز ما جاء ذكره كما أتذكره هو أهمية الالتزام الكامل بعدم التغيير أو إدخال مواد حديثة إلا للضرورة القصوى وبطريقة تتناسب كليا مع الجزء المراد المحافظة عليه واستخدام المواد الأولية الطبيعية للصيانة والترميم وكذلك تطوير اليد الماهرة لها مع تنظيم ملكية هذه الآثار وجعلها قابلة لكي تكون مقاصد سياحية .

إلا انه وبعد مرور سنوات من ورشة العمل تلك.. لم يتغير شيء ولم يحدث اختلاف وكأنما كان الحديث لأجل الحديث ,, لا علم لدي ما الذي أوقف المشروع ؟ ,, حتى لا ينفذ ولكن حسب معلوماتي لم يحدث شيء على أرض الواقع ولكنني لم أكن متفاجئا جدا من هذه النتيجة منذ تلك السنين لأن البعض للأسف ليس مقتنعا بأهمية المحافظة على التراث العمراني  وهذا ما كانت دلائله واضحة بعدم القناعة بالإجابة البسيطة عن سؤال هام جدا مثل “لماذا نحافظ على التراث العمراني ؟”.

التراث العمراني ليس طاقة متجددة حتى نتقبل خسارة جزء منها بسهولة .

السلبية وعقولنا

تتغذى عقولنا عن طريق عوامل عديدة وتصل لنا هذه المدخلات عبر حواسنا ويتم التعامل مع هذه التغذيات الدائمة في عقولنا وذاكرتنا بشكل مختلف من شخص لآخر فتتكون لدى كلا منا قناعاته المختلفة .

الا ان كل ذلك يحدث بشكل شخصي ولا يؤذي بشكل مباشر ولكن محاولة اعادة ارسال التغذية مرة أخرى والذي يحدث بأن تتأقلم التغذية حسب القناعات السابقة ويعيد تفسيرها بناء على ذلك مما ينتج تغذية معدلة قد تتشابهان وقد تختلفان وذلك حسب نوع المرشحات العقلية التي مرت بها .

اذ ان عقولنا مع انها متشابهة بالمظهر الخارجي الا انها تختلف في المرشحات التي يمتلكها شخص عن آخر وذلك لعدة عوامل منها المعرفة والاطلاع والتجربة والخبرة والتربية والبيئة وخلافها.

فأين نرى انفسنا من كل ذلك الان ,, وكيف اننا لا نملك دوما الا خيارا واحدا ونبدأ في اظهار السلبية في كل اتجاه داخل عقولنا وتستمر هذه الامور السلبية بالتراكم وصنع مرشحاتها في عقولنا لا تمكننا من الحكم على الامور الغير واضحة بشكل صائب فتبدأ الظنون والافكار بتحويل كل جديد الى أمر سيئ وغير جيد وكل كلمة شاردة او واردة بأنها موجهه لنا بشكل خفي وكل تصرف انه مصدره تهكم وتندر فتزداد الامور وضوحا للآخرين في معرفة الاشخاص ذوي السلبية المفرطة .

من مؤثرات السلبية ووضوحها علينا للآخرين كمجتمع ان اصبحنا لعبة بين ايديهم يتقاذفون بنا ويقيسون كذلك نسبة التأثير فينا ودرجتها ولهذا نجد ان الشائعات التي تضرب مجتمعنا ماهي الا تحفيز لمرشحات سلبية في عقولنا ومن شدة وضوحها اصبح اعدائنا يتربصون بنا من خلالها .

المدينة التي لا تنام

جملة امتدحت بها وسائل الاعلام بعض مدننا وبعض المدن الاخرى العالمية والتي تعني بوضوح انها مدينة تعمل طوال اليوم والليلة كالأسواق والمتنزهات والمطاعم وكل نواحي الحياة ولكن كل ذلك لا يضير ولكن هل تعتبر المدينة التي لا تنام مدينة صحية للمجتمع الذي يسكنها .

لقد قال الله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (11) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) سورة النبأ .

ولست بمتحدث عن معنى الآية او تفسيرها بل للاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن الليل ستر وسكنا والنهار معاشا للعمل والتكسب والمعيشة .

ان إجبار مدننا على العمل ليلا ونهارا وبشكل مستمر سيفقد مدننا التوازن المعيشي وسيكسب المجتمع الساكن بالمدينة الكسل والتراخي وضعف الصحة العامة للمدينة عدا عن الاثار المترتبة عن الاستخدام المستمر للخدمات وبشكل متتالي مما يقلل من العمر الافتراضي لهذه الخدمات ويصعب من عملية الصيانة ويزيد من تكلفتها المادية .

ان اولى خطوات تهيئة المجتمع ليكون مجتمعا فاعلا ونشطا منتجا هو بضبط نواحي الحياة المختلفة له حتى يسمح له بالعطاء والتقدم مع التنبه الى ان استمرار الليل كالنهار واتباع ذلك بالمدن الكبيرة والصغيرة لن ينتج عنه سوى مجتمعات مدنية كسولة مستهلكة وغير منتجة .

 ان تركنا للأعلام ان يقنعنا بأن الواقع السيء الذي تعيشه مدننا هو تطور فتلك مشكلتنا لا مشكلة الاعلام .